دولة القانون- قانون الدولة

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
31/07/2010 06:00 AM
GMT



حتى الساعة يقف جل، ان لم يكن كل، القادة السياسيين في العراق، عند توزيع المغانم - المناصب وقوف بخيل ضاع في الترب خاتمه، كما يفيد قول مأثور.
الدولة في حضارة الغرب مؤسسة دنيوية، الدولة عندنا مقدسة. هناك تستقي مواردها من المجتمع عبر الضرائب لتقدم بالمقابل خدماتها، وهنا تستقي مواردها من خارج المجتمع فتنتزع الولاء والطاعة مقابل الخدمات. هناك رجل الدولة موظف براتب وتقاعد، حقا وحقيقة، وهنا رجل الدولة كائن متعال، بل مقدس مظهرا، وموظف بائس جوهرا. فهو ، كما قال الجواهري"يعدد اياما ويقبض راتبا". هناك رئيس الدولة موظف مؤقت، يستشيط ساعة على المسرح، ثم لا يسمعه احد. هنا رأس الدولة مقيم دائم، لاصق بالمقاعد. هذا التفارق هو وراء بؤس الدولة في العراق وغير العراق مما عاشه ويعيشه جيلنا.
كل المظاهر القديمة لتقديس المنصب، وتقديس شاغله، وتأبيد جلوسه، لا تزال سارية كنوايا كما في السابق. لكن ثمة ما هو جديد: فتبرير القداسة لم يعد يكتفي بالتراث والدين، باسم الأمة، او الثورة، بل بات مقيدا بمكر الارقام: عدد الاصوات في صناديق الاقتراع، وعدد المقاعد في البرلمان. رغم التلاعب بالانتخابات، في حدود يصعب تقديرها، تظل صناديق الاقتراع هي الحكم. لعل هذه هي الحسنة الوحيدة في الوضع الراهن وهي حسنة يمقتها النخبويون على اختلاف انواعهم.
لعل اقدم كاره نخبوي لفكرة الجموع وحقها في التصويت او الاختيار، هو اكبر واقدم عقل فلسفي: ارسطو. ومن دون الدخول في بهرجة الفكر السياسي قسم ارسطو النظم الى حكم الفرد الواحد (اوتوقراطية)، وحكم القلة (الاوليغارشية) وحكم الكثرة (الديمقراطية). وكان كارها لكل هذه النظم. بغضه لحكم الفرد وحكم القلة هو احد أسس الفكر الديمقراطي المعاصر. اما كرهه لحكم الكثرة (حيث الجاهل والعارف على قدم المساواة) فهو من محفزات النظم النازية والفاشية النخبوية، التي تمقت الجموع والارقام ., كان الفيلسوف الاغريقي يرفض مساواة الجهل بالمعرفة، كما كان يرى ان حكم الكثرة (الديمقراطية) هو حكم الفقراء المنحاز لهذه الطبقة، شان حكم القلة المنحاز للاثرياء. وتخيل حلا فنطازيا هو حكم الطبقة الوسطى التي هي ليست بالغنية ولا بالفقيرة، وهي طبقة تظهر وتختفي في بلداننا.
وقد وجد مفكرو القرن العشرين، في قسمة ارسطو الثلاثية تطبيقا واقعيا في النظام الديمقراطي. ففي الديمقراطية الحديثة توجد النظم الثلاثة المذكورة معا. الجموع، او الكثرة تذهب الى صناديق الاقتراع. وهذه هي الديمقراطية. ولكن قلة تتسلم مقاليد الحكم: البرلمان والوزارة. وهذه اوليغاركية. واخيرا فان فردا واحدا، يصدر القرار. وهذه اوتوقراطية.
النظام الديمقراطي الحديث يحمل في احشائه هذه النظم الثلاثة بدرجات متفاوتة من الصرامة. وفي حضارتنا التي لم تتمثل الديمقراطية بعد، يغلب حكم الفرد، صاحب القرار، على الملامح الاخرى للنظام. فهو يتجاوز حكم القلة (البرلمان) ويتجاوز حكم الكثرة (الناخبون).
وهذا هو قانون الدولة كجهاز استبداد.
والمحاولات جارية في كل القارات (عدانا)
لكسر احتكار الواحد، وتفتيت احتكار القلة. من هنا ابتكار اكثر من برلمان: مجلس عموم + مجلس لوردات في بريطانيا، ومجلس نواب + مجلس شيوخ في اميركا. ومن هنا ارساء مبدأ شفافية المعلومات الحكومية وارساء محكمة دستورية - الخ.
فبدون تفتيت مركز السلطة، وبدون ازالة الستر الحديدية عن عملية صنع القرار اليومي، تتحول الديمقراطية الابتدائية الى مرتع خصب لحكم الفرد وحكم القلة. وهو ما يحصل في العراق بحمية بالغة، ومن شأنه ان يترسخ كما هو الحال في البلدان العربية الاخرى، ما لم يفكك.
خذوا مثلا مجلس الوزراء. انه هيئة ائتلافية لكن قراراته اليومية منفردة. وهي تجري في الخفاء. ولا سبيل لإماطة اللثام عنها. ولعل ابرز مثال على ذلك ما يجري في الجيش.
في النظام الديمقراطي مجلس الوزراء يدير هذه الهيئة عبر وزير الدفاع، وهذا بدوره يحرك المؤسسة عبر هيئة الاركان، والاركان عبر قادة الفرق- نزولا الى المجند النفر. بجرة قلم ودون اية نأمة من البرلمان، جرى ربط القطعات العسكرية بمكتب رئيس الوزراء بصفته، دستوريا، القائد العام للقوات المسلحة، متجاوزا وزير الدفاع، والاركان، واحيانا متجاوزا تسلسل الرتب والمراتب من قادة الفرق والألوية. هذا الوضع يشي من جهة بخوف مستديم من المؤسسة العسكرية، ولكنه يشي ايضا بجهل مريع بالاساليب الحديثة لادارتها. هناك كسر لسلسلة القيادة والسيطرة كما فعل صدام حسين الذي كان لنا ايامه جيشان، واحد جيش شخصي له وآخر جيش للأمة.
وكان يحرك الاول دون علم الثاني، لدرجة ان احتلال الكويت جرى بدون علم وزير الدفاع ورئيس الاركان وقتذاك. ثمة شيء شبيه بذلك اليوم. وهو مدفوع بالخوف من انقلاب متخيل - لكن وسائله، وهذه هي المفارقة تعجل بتفكيك هذه المؤسسة على قاعدة الولاء الشخصي والارتباط المباشر.
كما ان تعيين قادة الفرق، الذي يجب ان يجري بعلم وموافقة البرلمان، جرى ويجري من مكتب واحد وبتعتيم شبه تام. ينظر القيمون على هذه السياسة لاي نقد لها على انه نابع من مثالية سياسية لا من واقعية الممارسة. الواقع انهم يرون في سيطرتهم المباشرة على هذه المؤسسة الضمانة الوحيدة لاستمرارهم هم، مثلما يرون ان استمرارهم هوالضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة. باختصار ننتهي الى فكرة الدكتاتور الذي لا يرى من خير للأمة ودولتها من دونه. نحن نعلم ان القوة والقيمة الشخصية لاي زعيم تنبع من قوة وقيمة المؤسسة التي يقف على رأسها. فقوتها هي قوته. وليس العكس. يتخاصم السياسيون على المواقع في هلع، ولا يلتفتون الى تهشيم المؤسسات وشخصنتها. ولعل الاصوات الوحيدة التي تتعالى للحد من صلاحية رئيس مجلس الوزراء الجديد، مهما كانت هويته، هي الأصوات العقلانية الوحيدة. فكسر الاحتكار حاجة دائمة لاي نظام سياسي مهما كان، بحكم القلة او حكم الكثرة.
اما الفرد الذي يمثل هذا الموقع فلن يشكل خطرا على نفسه وعلى مؤسسات المجتمع والدولة. بمجرد تقييده . وليس المهم ان يكون سين او صاد في الموقع الاول. الاهم الا يولد محتكرا بلا قيد. هذه هي سمة دولة القانون، الدولة الخاضعة للقانون، لا قانون الدولة، القانون الخاضع للدولة، لأكبر وأخطر جهاز قسر في التاريخ.